ابو القاسم عبد الكريم القشيري
455
لطائف الإشارات
كان ذلك وحي إلهام ، ألقى اللّه في قلبها أن تجعله في تابوت ، وتلقيه في اليم يعنى نهر النيل ، ففعلت ، فألقاه النهر على الساحل ، فحمل إلى فرعون . فلمّا وقع بصر امرأة فرعون عليه باشر حبّه قلبها ، وكذلك وقعت محبته في قلب فرعون ، ولكنها كانت أضعف قلبا ، فسبقت بقولها « قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ . . » « 1 » ، ولولا أنها علمت أنه أخذ شعبة من قلب فرعون ما أخذ من قلبها لم تقل : « قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ » . قوله : « يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ » : ربّاه في حجر العدو ، وكان قد قتل بسببه ألوفا من الولدان . . ولكن من مأمنه يؤتى الحذر ! وبلاء كلّ أحد كان بعده إلا بلاء موسى عليه السلام فإنه تقدّم عليه بسنين ؛ ففي اليوم الذي أخذ موسى في حجره كان قد أمر بقتل كثير من الولدان ، ثم إنه ربّاه ليكون إهلاك ملكه على يده . . ليعلم أنّ أسرار الأقدار لا يعلمها إلا الجبار . ويقال كان فرعون يسمّى والد موسى وأباه - ولم يكن . وكان يقال لأمّ موسى ظئر « 2 » موسى - ولم تكن ؛ فمن حيث الدعوى بالأبوة لم يكن لها تحقيق ، ومن حيث كان المعنى والحقيقة لم يكن عند ذلك خبر ولا عند الآخر من ذلك معرفة . . هكذا الحديث والقصة « 3 » . ولقد جاء في القصة أن موسى لمّا وضع في حجر فرعون لطم وجهه فقال : إنّ هذا من أولاد الأعداء فيجب أن يقتل ، فقالت امرأته : إنه صبيّ لا تمييز له ، ويشهد لهذا أنه لا يميّز بين النار وبين غيرها من الجواهر والأشياء ، وأرادت أن يصدّق زوجها قالتها ، فاستحضرت شيئا من النار وشيئا من الجواهر ، فأراد موسى عليه السلام أن يمدّ يده إلى الجواهر فأخذ جبريل عليه السلام بيده وصرفها إلى النار فأخذ جمرة بيده ، وقرّبها من فيه فاحترق لسانه - ويقال إنّ العقدة التي كانت على لسانه كانت من ذلك الاحتراق - فعند ذلك قالت امرأة فرعون : ها قد تبينّ أن هذا لا تمييز له ؛ فقد أخذ الجمرة إلى فيه . وتخلّص موسى بهذا مما حصل منه من لطم فرعون .
--> ( 1 ) آية 9 سورة القصص . ( 2 ) الظئر . المرضعة لغير ولدها . ( 3 ) يقصد بالحديث والقصة التصوف وأهله ؛ فلقب العبد مرتبط بقلبه وحقيقة باطنه لا بما يستفاد من ظاهره ورأى الناس فيه ، وهذا أصل من أصول أهل الملامة النيسابورية .